ثقافة الطلبة

جريدة نبض العلم            مجلة الكلية

المكتب الاستشاري        تابعونا على الفيس بك

         

الصفحة الرئيسة  اقسام الكلية  اسماء الخريجين  المناهج التدريسية  مكتبة الكلية  المؤتمرات والندوات

بحوث ورسائل جامعية  مشاريع تخرج الطلبة  من التراث العلمي  لوحة الشرف  الاصدارات  اتصل بنا

مرحبا بكم في موقع كلية مدينة العلم الجامعة

 

نظريّات الجُزء الذي لا يتجزّأ.في التراث العربي الإسلامي

 د. عبد الكريم اليافي


 

نريد أن نشرح هذه النظريات في إطار التراث العالمي قديمه وحديثه.‏


 

إذا عرضنا تاريخ النظريات التي تتأمل بنية المادة وتتعرف تركيبها نجد في غالبيتها القول بالجزء الذي لا يتجزأ وذلك طوال عصور الحضارات المختلفة قديمها ومتوسطها وحديثها، مع أنه كان من الممتنع على وسائل العلم إفراد هذا الجزء الدقيق ولا يزال ممتنعاً على الرغم من تقدم الفيزياء الحديثة ذلك التقدم الكبير المعروف في العصر الحاضر.‏


 

هذا وإن القول بالجزء الذي لا يتجزأ قد تختلف مذاهبه كما تختلف دواعيه الفلسفية والدينية والعلمية.‏


 

نجد ذلك التفكير في جوانب من الفلسفة اليونانية وجوانب من التفكير الهندي وعند غالبية المعتزلة وعلماء الكلام المسلمين وفي مراحل من التفكير لدى الغرب في العصور الحديثة كما نجد ذلك في مضمون العلم الحديث.‏


 

لقد أراد بعض المفكرين أن يتلمّس الأسباب التي تكمن وراء هذه النظرية والتي تجعل الفلاسفة والعلماء يعاودونها في الحين بعد الحين ويستندون إليها في بيان بنية المادة وتركيبها على اختلاف منطلقات بحوثهم وتأملاتهم.‏


 

يرجع المفكر الفرنسي غاستون بشلار في كتابه "الحدوس الذرية" هذا النجاح التاريخي الذي لقيته تلك النظرية إلى أن وراءها صورة حدسية حسية تطالعنا في الحين بعد الحين وهي ظاهرة الهباء أو الغبار. ولكي يوضح رأيه يعمد أول الأمر إلى برهان سلبي. يتخيل عالماً مكوناً كله من أجسام صلبة معينة الحجوم ومعينة الأمكنة تتميز فيه الأجسام بمقاديرها بشرط أن تكون تلك الأجسام متقاربة في المقادير والحجوم ولا تتفاوت إلا في نطاق محدود. فليس بينها الضئيل الدقيق ولا الجسيم الضخم. لاشك أن التجزئة المادية في هذا العالم تغدو بمثابة عمل من الأعمال المتكلفة الصنعية. نتكلم في هذا العالم على التحطيم والكسر لا على التجزئة الطبيعية. ولو تقدم العلم في هذا العالم الخيالي لاقتصر على تحليل الجسم الصلب تحليلاً هندسياً. وهذا التحليل الهندسي يُطبَع بطابع الفكر والنظر والخيال فهو من نطاق الممكن الصرف المجرد ولا يقابله شيء في الواقع.‏


 

نستبدل بهذا العالم الخيالي عالماً آخر يبدو فيه كل شيء عجينياً مائعاً كأن تكون درجة الحرارة فيه عالية تكفي لإماعة الأجسام بعض الإماعة. عندئذ تغدو الأشكال العجينية عبارة عن مراحل وقتية للتغير والصيرورة، وتصبح التجزئة والتقسيم هما القاعدة الأساسية إذ كل شيء لين يسيل ويتغير شكله وينقسم ويتجزأ إلى مالا نهاية. وأمثل صورة لهذه الحال الماء الجاري الذي يعادل انقسامه وتجزؤه في السهولة تجمعه وانضمامه. يصيب في هذا العالم الخيالي أيضاً كما في العالم الخيالي السابق أن نتصور الجزء الذي لا يتجزأ. كلا هذين العالمين الخياليين لا يشمل مستنداً حسياً حدسياً يوحي بالجزء الذي لا يتجزأ، لأن تجزئة المادة في العالم الأول غير طبيعية وفي العالم الثاني هي القاعدة وهي يسيرة الإنجاز والتطبيق فيه دائماً.‏


 

عالمنا الواقعي الذي نعيش يحتوي على أجسام صلبة وأجسام مائعة ولكنه يحتوي أيضاً على أجسام في حالة ذرورية. وهذه الحالة الأخيرة ذات أهمية ينوه بها بشلار ويذكر تأثيرها الكيمياوي الخاص وهو العمل بالتماس كما يذكر أن المسحوق قد يوحي بفكرة السم. هو إكسير يُعطى فيجلب بتفاوت مقاديره أما الموت وأما الدواء. وكأن الجسم متى تفتت أو سحق أضاع قسماً من فرديته وكسب تلقاء ذلك صفة سرية وغدت عناصره مواتية لكل تركيب ممكن. وربما تكون نسبة الخلود للجوهر في بعض الفلسفات القديمة ناشئة عن مثل هذا الاعتبار.‏


 

كذلك نجد في أساس حدس المساحيق والغبار أحكام قيم غريبة لأنها في شكلها الذروري تبدو تارة ذات نشاط وذات خواص قوية كالعمل بالتماس الذي أشرنا إليه آنفاً أو كالشفاء في الدواء وتبدو تارة أخرى بمثابة الفضلات حين نتذكر بعض الحالات التاخّة والنَخِرة والسائسة والصدئة أو نتذكر انحتات الأجسام الصلبة ومحَها كالخاتم بالأصبع والحجر الذي يتواتر وقوع حبات المطر عليه ويد التمثال من الشبه الذي يلثمها المؤمن به حين يمر عليه وأبواب المعابد تمسها أيدي الداخلين كل ذلك يبلى شيئاً فشيئاً وتنفصل منه أجزاء ضئيلة لا ترى. فالأجزاء التي لا تجزأ أجسام صلبة دقيقة بالية. وكل شيء بعد وجوده يتفكك ويبلى ويختلط. وقد نجد مثل هذا التفكير عند كثير من الفلسفات المادية والدينية تطبق تشاؤمها على بلى الكون واندثاره وزوال بهجته.‏


 

وقد يطالعنا من وراء كل ذلك مشهد نادر ولكنه مهم. هو مشهد الهباء الخفيف الذي يمتنع على اللمس أو المس ولكنه يرى حين يرتجف في شعاع الشمس. هذا المشهد في رأي بشلار هو الحدس الحسي الأساسي الذي تستند إليه نظرية الجزء الذي لا يتجزأ. ذلك مشهد نتأمله فنحلم. إن حبة الهباء اللاعبة في النور توحي في اختلاف تلونها وتباين تشكلها بتعدد خواص الجزء الذي لا يتجزأ. إنها لا تلمس ولكنها ظاهرة للبصر. الغائب الخفي المستتر يلوح فجاءة للنظر. تبدو الغرفة خالية فارغة ما لبث النور يملؤها بسنا واحد متسق. وعندئذ لا يظهر في عن عالم مجهول. هذه عند بشلار هي التجربة الأولى لنظرية الجزء الذي لا يتجزأ. هنا يجد الفكر ما يستند به إلى حدس مباشر. يسعنا إذاً أن نفترض وجود مادة لا تقع تحت الحس إذ قد حسرت التجربة لنا عن أشياء دقيقة لم تكن مرئية. وهكذا يجوز أن نفرض وجود الجزء الذي لا يتجزأ وراء التجربة الحسية. إن حبة الهباء تسبح في الخلاء وكأنها تتبع في حركاتها هواها. تتأثر بالنفخ ولكنه تأثر مشحون بالانطلاق والحرية. فهي تصور في ذلك تصويراً بديعاً ما ذكره أبيقوروس عند حرية الجزء وسماه لوقريطس بالحيد أو الانحراف Clinamen. ففي نظرية لوقريطس وأبيقوروس عن الجزء صفات هذه الحادثة. وهما يريان أن الأجزاء في انهمالها أو هطلها القديم تستطيع أن تحيد وتنحرف عن مواقعها ليتصل بعضها ببعض فتؤلف مختلف الأجسام التي نعرفها.‏


 

العالم النمساوي أرفين شرودنغر حين بحث أصول نظرية الجزء رأى أن التفكير الحديث في الجزء إنما هو وريث العلم اليوناني القديم. وهو في ذلك يرجع إلى ما قبل أبيقوروس ولوقريطس. يرجع إلى الفيلسوف اليوناني القديم طالس من مدينة ميلي أوميلتوس كانت في آسية الصغرى تشرف على بحر إيجي وهذا قد اطلع على العلم البابلي والعلم المصري القديمين وإلى أنكسمنس، مواطن طالس ومن مدرسته الفكرية الأيونية. انتبه هذا إلى بعض الظواهر الطبيعية واسترعى نظره التخلخل والتكاثف. استند أنكسمنسس إلى ملاحظة أن قطعة من المادة قد تأخذ الحالة الصلبة والسائلة والغازية (النارية كما يدعوها) وأن التبدل من حال إلى حال لا يتضمن تغيراً في طبيعة المادة وإنما يتعلق بقضيةٍ هندسية. وذلك أن كمية تشغل حيّزاً يتسع شيئاً فشيئاً (وهذا هو التخلخل) أو يضيق وينضغط فتصبح كمية المادة في حجم أقل (وهذا هو التكاثف). فالتبدل في خواص المادة أثناء التخلخل يعود إلى أن أجزاءها يتباعد بعضها من بعض بمسافات تزيد شيئاً فشيئاً. إنَّ الرياضيين في عصر أنكسمنس وهو القرن السادس قبل الميلاد كانوا يعتبرون الخط الهندسي مؤلفاً من نقاط. فإذا تصورنا الخط مادياً وطفقنا نشده أفلا تتباعد نقاطه بعضها من بعض تاركة بينها فجوات أو ثغرات؟! فالشد لا يحدث نقاطاً جديدة. كذلك لا يمكن للنقاط التي يتألف منها الخط أن يشغل كل منها حيزاً أو مسافة أكبر. وأبسط وسيلة للخلاص من هذه الصعوبات اعتبار المادة تتألف من نقاط فردية أو من أجزاء صغيرة يتباعد بعضها من بعض حين يحصل التخلخل وتتقارب حين يقع التكاثف، وهي في غضون ذلك تبقى هي أنفسها دون أن تتبدل. فملاحظة التكاثف والتخلخل هي التي أوحت إلى الفلاسفة القدماء الطبيعيين اليونان في رأي شرودنغر بفكرة الجزء الذي لا يتجزأ أو بفكرة تألف المادة من الذرات.‏


 

هذا ونشوء هذه المدرسة الأيونية على شاطئ آسية الصغرى يشير في رأينا إلى اقتباس معارفها مما كان رائجاً في حضارة بلاد الرافدين خاصة. إن شرودنغر يقف عندما ذكرناه في بحثه أولية التفكير في الجزء الذي لا يتجزأ. ونحن نتمم بحثه فنذكر شيئاً من تسلسل التفكير اليوناني. لقد هرب فريق من الأيونيين من وجه الفرس وذهبوا إلى شاطئ إيطالية الغربي، فبنوا مدينة إيليا التي نشأت فيها الفلسفة الأيلية. من أقدم المفكرين الإيليين أكسانوفان الذي ولد في بلدة من أعمال إيونيا على الشاطئ الغربي لآسيا الصغرى. طاف في بلاد اليونان ثم ذهب إلى إيليا وأقام بها. ولكن المؤسس الحقيقي للمدرسة الفلسفية الأيلية هو رامنيدس. ومن أهم المفكرين اليونانيين لوقيبوس وديمقرطيس.‏


 

ويذهب مؤرخو الفلسفة اليونانية إلى أن نظرية ديمقريطس ولوقيبوس في الجزء الذي لا يتجزأ مشتقة من المدرسة الأيلية: أما لوقيبوس فيرجح أنه ولد في مَلَطْيَة بجنوبي آسية الصغرى في شمال بلاد الشام ورحل إلى إيليا وأخذ عن زينون تلميذ بارمنيدس ثم جاء أبديرة على الساحل في الشمال الشرقي من اليونان وأنشأ فيها مدرسة وقد أخذ ديمقريطس عنه القول بالجزء. لقد نوّه بارمنيدس وديمقريطس مُمثلاً مدرسة أبديرة فحفظا للكينونة نصيباً من الوحدة ولكنهما جزآها وبعثراها خلال المكان وخلعا على هذه الأجزاء الدقيقة صفات الكينونة وهي أنها بسيطة ثابتة الأشكال أزلية وأبدية. عاش ديمقريطس قبل الميلاد (470- 361ق.م) وكان تلميذ لوقبيوس وصديقه وقد قضى أرسطو على هذه النظرية. ولكنها ظهرت في شكل آخر بسيط فيما بعد عند أبيقورس (341- 270ق.م) ثم عند المفكر الروماني لوقريطس (96؟- 55ق.م) وقد تأثر بابيقورس وهو الذي وصف حَيْد الأجزاء وانحرافها كما سلف آنفاً.‏


 

بيد أن القول بالجزء الذي لا يتجزأ عند الهنود. يرجع تاريخه فيما وصلنا من معلومات إلى ما حول القرن الخامس الميلادي. نجده في مذهب الجاينا ولدى فرقتين بوذيتين هما الويبها شيكا والسوترانتيكا، وكذلك لدى فرقتين فلسفيتين من فرق البراهمة وهما النيايا والوايششيكا. جاء في مذهب النيايا أنه لو كان الجزء الذي لا يتجزأ غير موجود لكان في ذرة الغبار من الأجزاء ما في الجسم الكبير لأن كلاً منهما لولا وجود الجزء لقبل الانقسام إلى غير نهاية. وفي لفظ الغبار ما يذكرنا كلام بشلار على الحدس الحسي كما أن مثل هذا البرهان سنجده عند بعض المتكلمين المسلمين. وقد حاول المستشرق بينيس أن يربط بين مذاهب الهند ومذاهب المتكلمين ويزعم من الاتصال بينهما ولكن هذا مجرد رجم يحتاج إلى دليل واضح لثبوت صحته.‏


 

نظرية الجزء الذي لا يتجزأ في التفكير العربي الإسلامي:‏


 

الاعتقاد بوجود الجزء الذي لا يتجزأ مذهب فريق واسع من المسلمين وهم غالبية المعتزلة وجمهور المتكلمين. ولم تصدر آراؤهم بادئ الأمر عن دواع علمية بمقدار صدورها عن دواع دينية وفلسفية. حتى إن هؤلاء المفكرين قلّ أن يعللوا الظواهر الطبيعية بالأجزاء التي يسمونها أيضاً الجواهر الفردة والذرات. يرى أبو القاسم البلخي المعتزلي (ت 319ه- 931م) مثلاً أن امتداد الجسم ناشئ عن التأليف بين الجواهر الأفراد لا لأن للجواهر الأفراد حجوماً. ومن أوائل المعتزلة الذين قالوا بالجوهر الفرد أيضاً هو الهذيل العلاف (ت 227ه- 841م أو 235- 849م) والجبائي (ت 303- ه- 915م).‏


 

وجاء أبو الحسن الأشعري (ت 324ه- 935م) فأخذ هذه النظرية عن سابقيه واعتمدها في دعم اتجاهه الديني وهو في هذا يتفق مع أولئك المعتزلة. حصر التناهي في المخلوقات والأشياء المحدثة وترك اللاتناهي لله. لقد ورد في القرآن الكريم "وكل شيء أحصيناه في إمام مبين" (سورة يس 36- 12) وورد أيضاً فيه "وأحصى كل شيء عدداً" (الجن 72- 28). ولا يتم الإحصاء إلا بما له نهاية. فيجب أن تكون أجزاء الجسم متناهية في عددها. ثم أتى تلميذ تلميذه القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني (ت 403ه- 1012م) فكتب في "التمهيد" أن "المحدثات كلها ثلاثة أقسام فقسم مؤلف وجوهر منفرد وعرض موجود بالأجسام والجواهر... والدليل على إثباته (إثبات الجوهر) علمنا بأن الفيل أكبر من الذرة (النملة). فلو كان لا غاية لمقادير الفيل ولا لمقادير الذرة لم يكن أحدهما أكثر مقادير من الآخر. ولو كانا كذلك لم يكن أحدهما أكبر من الآخر لما أنه ليس بأكثر مقادير منه".‏


 

ولقد تسربت فلسفة أرسطو الطبيعية التي أنكرت وجود الذرات بالترجمة إلى ميادين الفكر الإسلامي فلا غزو أن نجد بين المعتزلة من أنكر وجود الذرات أيضاً.‏


 

كان إبراهيم النظام (ت بين عامي 221 و231ه- 835 و845م) من خصوم مذهب الجزء الذي لا ينقسم. وهنالك في الفلسفة اليونانية مفارقات زينون الإيلي الذي أراد أن يبرز الخلف في فكرة الحركة المتصلة فمثل آخيل ذا القدمين الخفيفتين يلحق بسلحفاة فلو كان الطريق متصلاً أي مؤلفاً مما لا نهاية له من الأجزاء لكان آخيل كلما قطع نصف المسافة مثلاً بينه وبين السلحفاة ووصل إلى النقطة التي كانت بها السلحفاة لزم أن تكون السلحفاة قد قطعت مسافة ما وهكذا لا يمكن له أن يلحق بها منطقياً مع أن الواقع بلوغه مكانها. هذا وقد رُدَّ على النظام بمثل هذه المفارقة وذلك بأنه لو لم يوجد الجزء لكان الماشي الذي يقطع مسافة متناهية يقطع مالا نهاية له لأن هذه المسافة تقبل القسمة إلى غير نهاية. ولكن النظام تخلص من هذه الصعوبة بأن قال بالطفرة ومعناها أن الجسم المتحرك لا يماسّ كل أجزاء المسافة التي يقطعها بل يصير إلى مكان دون أن يمر بالذي قبله.‏


 

هذا وينسب إلى أبي بكر محمد بن زكريا الرازي (ت 311ه- 923م) القول إن القدماء أو الجواهر خمسة وهي البارئ والنفس الكلية والهيولى الأوَّلة والمكان والزمان. ويذكر البيروني في كتابه "تحقيق ما للهند من مقولة" الذي أورد ذلك أن الرازي حكى هذا المذهب عن أوائل اليونانيين. ويذكر ابن تيمية في كتاب "منهاج السنة النبوية" أن هذا القول يحكي عن ديمقراطيس واختاره ابن زكريا المتطبب.‏


 

ويعد الشيخ الرئيس أبو الحسين علي بن سينا 370ه/980م- 428ه/1027 من أكبر ممثلي الفلسفة المشائية (فلسفة تلاميذ أرسطو) وأبرزهم في الحضارة العربية الإسلامية. وقد قالوا أن الجسم كم متصل. (والاتصال معناه قبول الانقسام ويقابله الانفصال وهو وقوف الانقسام عند حدٍ ما) وفرقوا بين الانقسام بالفعل والانقسام بالقوة فأجازوا الثانية إلى مالا نهاية وأنكروا الأولى.‏


 

ولما تحاور أبو الريحان البيروني (362ه/973م- 443ه/1051م) 1 وابن سينا جاء في السؤال الرابع الذي سأله البيروني ابن سينا في الرد على المعلم الأول: "لم استشنع أرسطو طاليس قول القائلين بالجزء الذي لا يتجزأ؟" وقد شعر البيروني بالصعوبة التي تكمن في هذا القول. ولكنه وجد صعوبات أكثر في القول المقابل فأشار إلى أن "القول بأن الجسم لا يتجزأ إلى مالا نهاية أشنع". ثم يسأل كيف التخلص من حرج كلا الموقفين. ويجيب ابن سينا أن أرسطو إنما أراد الانقسام بالقوة ولكن البيروني يلزمه إذا ذاك بمشكلة أنه لو انقسمت الأبعاد انقساماً غير متناه لوجب أن يساوي قطر المربع إحدى أضلاعه. ويبدو فيما سبق أن النظرية تجاوزت الميدان الديني وأصبحت قضية مطروحة للبحث في الفلسفة الطبيعية عند الفلاسفة المسلمين من ممثلي الفلسفة المشائية ومن المستقلين عن تلك الفلسفة البارزين الأعلام أمثال البيروني وأبي البركات هبة الله البغدادي.‏


 

عالج أبو البركات (توفي سنة 547ه- 1125م) هذا الموضوع معالجة مناسبة وعرض أقوال الحكماء الطبيعيين عرضاً وافياً. يذكر أن أجزاء الأجسام التي لا تتجزأ لا تخلو من أن تكون "متساوية الأقدار أو مختلفتها أو لا تكون ذوات أقدار" ويمنع ألا يكون لها أقدار لأن ما يكون كذلك لا يكون لمجموع كثير منه قدر "اللهم إلا ألا يُعنى بلا مقدار سلب العِظَم مطلقاً بل تصغيره جداً فيدخل حينئذ في القسمين الأولين أعني متفقات الأقدار ومختلفتها" ثم ينفي اختلاف أقدارها ليناقش أخيراً وحدة الجسم واتصاله من جهة وكثرته بالتجزؤ وانفصاله من جهة ثانية فيحقق القول في وحدة الجسم الذي هو الهيولى الأولى وكثرته التي له بذاته فيقرر " من حيث أن الجسم يقبل الاتصال والانفصال والتجدد بالصغر والكبر يُعْلم أنه بذاته ومن حيث هو جسم لا متصل ولا منفصل أعني ولا واحد ولا كثير إذ لو كان بذاته واحداً متصلاً لما انفصل أو كثيراً منفصلا لما اتصل وذلك هو قولنا لا واحد ولا كثير (الفصل السابع والثامن من الجزء الثاني) وهو يرد القول بالطفرة. "فإن الطفرة معناها وجود حركة سريعة بين حركات بطيئة".‏


 

ثم عمد المفكرون المسلمون فلاسفة ومتكلمين إلى البحث عن حجج وبراهين يؤيد بها كل منهم عند فخر الدين الرازي (544ه/ 1150- 606ه/1210م) في كتابه المباحث المشرقية. وقد لخص في الفصل الثاني من الجزء الثاني من كتابه هذا مختلف المذاهب في احتمال الأجسام للانقسام فذكر "إما أن تكون الانقسامات الممكنة فيه حاصلة بالفعل أو غير حاصلة بالفعل. وكلا القسمين إما أن يكون متناهياً أو غير متناه فحصل من هذا التقسيم أقسام أربعة:‏


 

الأول: أن يكون في الجسم أجزاء متناهية بالفعل.‏


 

الثاني: أن يكون فيه أجزاء غير متناهية بالفعل.‏


 

الثالث: ألا تكون الأجزاء حاصلة فيه بالفعل بل بالقوة وتكون متناهية.‏


 

الرابع: أن تكون فيه أجزاء بالقوة غير متناهية.‏


 

فالمذهب الأول مذهب جمهور المتكلمين. وهم زعموا أن كل واحد من تلك الأجزاء لا يقبل الانقسام لا قطعاً لصغرها ولا كسراً لصلابتها ولا وهماً لعجز الوهم عن تمييز طرف منها عن طرف ولا فرضاً لأنها تلزم من ذلك الفرض محاولات.‏


 

وأما الثاني فهو مذهب النظام ومن الأوائل انكسافراطيس.‏


 

وأما الثالث فهو مذهب اختاره محمد الشهرستاني ويحكى قريباً منه عن أفلاطون فإنه قال: الجسم ينتهي بالتجزئة إلى أن ينمحق فيعود هيولى.‏


 

وأما الرابع فهو مذهب الجمهور من الحكماء" (1).‏


 

ويلخص في الفصل الثالث "الأدلة على بطلان الجزء الذي لا يتجزأ. وبراهينه عشرون" بعضها يتعلق بالمماسة وهي قضية كانت ذات شأن عند المتكلمين في إثبات الجزء أو نفيه. ولا بأس أن ورد جانباً من هذه القضية وهو البرهان الأول من العشرين. "إنا لو قدرنا جزءاً بين جزءين فالوسط أما أن يمنعهما عن التلاقي أو لا يمنعهما. فإن منعهما فالوجه الذي يلاقيه أحد الطرفين غير الوجه الذي يلاقي الطرف الآخر فإذاً هو منقسم. وإن لم يمنعهما من التلاقي كان الطرفان متداخلين في الوسط لكن التداخل محال".‏


 

جميع هذه البراهين نظيرة. وهي تعتبر الجزء الذي لا يتجزأ في حالتي إثباته ونفيه في نطاق المقياس البشري المعتاد المستند إلى الحواس وتظل بعيدة من الصفة العلمية، كما تستند في نفيه إلى الحساب واقتضاء وجود الكسور إذا اعتبرنا الجزء الذي لا يتجزأ بمثابة الرقم (1) فالبرهان الثاني عشر يعتمد على نظرية فيثاغورس وينص "لو قدرنا زاوية قائمة كل واحد من الضلعين المحيطين بها عشرة أجزاء (لا تتجزأ) فالحاصل من ضرب كل واحد من الضلعين في نفسه مائة فالمجموع مائتان والحاصل من ضروب وتر الزاوية القائمة في نفسها مساو للحاصل من ضرب الضلعين كل واحد في نفسه كما بينه أوقليدس. فيكون الحاصل من ضرب وتر هذه الزاوية مائتين فيكون وتر هذه الزاوية جذر مائتين وليس للمائتين جذر صحيح فلابد أن تنكسر الأجزاء".‏


 

كذلك البرهان الثالث عشر "لو قدرنا خطأ مركباً من جزءين فأمكننا أن نعمل علينا مثلثاً متساوي الأضلاع ولا يحصل ذلك إلا إذا وقع كل واحد على متصل الآخرين وذلك يوجب التجزئة".‏


 

إن نظرية فيثاغورس يتكرر الاعتماد عليها فالبرهان الرابع هو أنه "لو أخذنا خطأ من جزءين ووضعنا على أحد الجزءين جزءاً آخر فتحصل هناك زاوية قائمة فوترها إن كان من جزءين كان وتر الزاوية القائمة مساوياً لواحد من الضلعين المحيطين. هذا خلف. وإن كان من ثلاثة أجزاء كان الوتر مساوياً لمجموع الضلعين. هذا خلف. فإذاً هو أكثر من الاثنين وأقل من الثلاثة. فقد وجد الأقل من الجزء" (2).‏


 

وهكذا تتواتر البرهانات بأشكال شتى على اقتضاء وجود كسر لرفض وجود الجزء الذي لا يتجزأ وذلك لاعتبار الجزء بمثابة الرقم (1) كما أسلفنا. ولا بأس عندنا أن نعرض برهانين آخرين:‏


 

"البرهان السادس عشر أن إقليدس برهن على أن كل خط فإنه يصح تنصيفه فالخط المركب من الأجزاء الفردة يصح تنصيفه فينتصف الجزء وهو المدّعى.‏


 

البرهان السابع عشر إذا أوقعنا خطاً مستقيماً كالوتر على زاوية قائمة حتى يحصل الوتر جذر مجموع مربع الضلعين وفرضنا الضلعين كل واحد منهما خمسة كان هذا الوتر جذر خمسين فإن حركنا طرف هذا الوتر من أحد الجانبين جزءاً تحرك الطرف الآخر لا محالة أقل من جزء فإنه إن تحرك جزءاً حتى حصل أحد الضلعين ستة والآخر أربعة حصل الوتر جذر اثنين وخمسين. هذا خلف. فإذا قد تحرك أقل من جزء" (3).‏


 

أما الفصل الرابع فيقابل الفصل الثالث ويناقضه وهو "في إبطال قول من قال الجسم مركب من أجزاء غير متناهية بالفعل وعليه برهانان" (4) أولهما امتناع قطع مسافة إلا في زمان غير متناه وثانيهما يعود إلى امتناع مساواة الجزء للكل. ويلي ذلك فصلان لمناقشة القسمة الانفكاكية وحكاية شُبه مثبتي الجزء الذي لا يتجزأ والجواب عنها. وهما مهمان في هذا الصدد نرجع القارئ الكريم إليهما، ولولا مخافة التطويل لعرضنا ما فيهما من حجج لطيفة يرجع غالبها إلى ما سبق ذكره.‏


 

وعلى الرغم من الصفات النظرية لهذه الحجج والبراهين المتعارضة نرى أن هؤلاء المفكرين قد أكدوا صعوبة كلا الموقفين وحرجه. وكأنهم أقروهما على تناقضهما وهذا ما سنراه عما قريب في فلسفة الفيزياء الدقيقة الحديثة.‏


 

إن هذه الحيرة العلمية التي يحيط العالم بها دون أن تحيط به نجدها تستمر عند بعض العلماء المتأخرين. نجدها عند بهاء الدين العاملي (953ه) 1547م- 1031ه/1624م).‏


 

فهو يعقد فقرة في كتاب "الكشكول" يبرهن فيها على إبطال الجزء فيقول: "مما سنح بخاطر جامع الكتاب تفرض دائرة مركبة من الأجزاء وتخرج فيها خطين مارين من المركز بين طرفيهما جزء واحد من محيط الدائرة فهما متقاطعان على المركز. فالانفراج الذي بينهما قبل التقاطع إما أن يكون بقدر الجزء أو أكثر أو أقل والكل باطل لاستلزام الأول كون المتقاطعين متوازيين والثاني كون المتقاربين في جهة متباعدين فيها والثالث الانقسام" (5).‏


 

ولكنه في الكتاب نفسه يذكر لنفسه برهاناً على امتناع اللاتناهي. وهذا يدل على أنه كان مدمن الفكر في قضية إثبات الجزء أو نفيه فقد ورد في إثبات الجزء قوله: "ليس لمثبتي الجزء حجة أقوى من حكاية وضع الكرة على السطح المستوي إذ لو انقسم موضع الملاقاة لوصل من طرفيه إلى مركزها ليحدث مثلث متساوي الساقين ويخرج ويخرج من ملاقاة القاعدة عمود إلى المركز. فالخطوط الثلاثة الخارجة من المركز إلى المحيط متساوية لأنها كذلك ويلزم أن يكون أطوال الساقين أكبر من العمود لأنهما وترا القائمتين وهو وتر الحادتين" (6).‏


 

على أن علماء الكلام جروا على إثبات الجزء دائماً ليس غير. جاء في "كشاف اصطلاحات الفنون" للتهانوي أن الجزء يطلق على معان منها "الجزء الذي أصلا لا قطعاً ولا كسراً ولا وهماً ولا فرضاً أثبته المتكلمون ونفاه بعض الحكماء" ثم يعمد المؤلف إلى شرح هذا التعريف. "فالجوهر بمنزلة الجنس فلا يدخل فيه النقطة لأنها عرض. وقولهم ذو وضع أي قابل للإشارة الحسية وقيل أي متحيز بالذات يخرج المجردات عند من أثبتها لعدم قبولها الإشارة الحسية ولا التحيز. وقولهم لا يقبل القسمة يخرج الجسم، وقولهم أصلاً يخرج الخط والسطح الجوهريين لقبولهما القسمة في بضع الجهات، والقسمة الوهمية ماهو بحسب التوهم جزئيا. والفرضية ماهو بحسب فرض العقل... وفائدة إيراد الفرض أن الوهم ربما لا يقدر على استحضار ما يقسمه لصغره أو لأنه لا يقدر على إحاطة مالا يتناهى. والفرض العقلي لا يقف لتعقّله الكليات المشتملة على الصغير والكبير والمتناهي وغير المتناهي كذا في شرح الإشارات فإن قلت لا يمكن أن يتصور وجود شيء لا يمكن للعقل فرض قسمته قلت المراد من عدم قبول القسمة الفرضية أن العقل لا يجوّز القسمة فيه لا أنه لا يقدر على تقدير قسمته أي على ملاحظة قسمته وتصورها فإن ذلك ليس بممتنع وللعقل فرض كل شيء وتصوره حتى وجود المستحيلات وعدم نفسه".‏


 

هذا وما زلنا حتى وجود في صغرنا نحفَّظ متى جوهرة التوحيد للشيخ إبراهيم اللقاني (توفي سنة 1041ه- 1631م) التي في أواخرها.‏


 

وجود شيء عينه والجوهر‏


 

الفرد حادث2 عندنا لا ينكر‏


 

أي لا ينكر ثبوته وتقرره في الوجود فجميع الأجسام تركبت منه مع تناهي آحاده فيها خلافاً لحكماء الفلاسفة كما جاء في شرح الجوهرة لابن ناظم الجوهرة عبد السلام بن إبراهيم (متوفى سنة 1078ه- 1667م).‏


 

على أن بحث التناهي واللاتناهي تجاوز المادة عند المفكرين المسلمين فتأملوهما في الأبعاد والأطراف والزمان والمكان والسطوح والحجوم والعلل والقوى وغير ذلك وكتاب المعتبر لأبي البركات والفلسفة المشرقية لفخر الدين الرازي وأمثالهما وشروح كتب الحكماء حافلة به.‏


 

ذكرنا آنفاً أن تألف الأجسام من أجزاء لا تتجزأ يطلق عليه الانفصال وانقسام الأجسام انقساماً غير متناه يطلق عليه الاتصال. وهما لفظان شاع استعمالهما في التراث العربي وانتقلا إلى اللغات الأجنبية فيقال مثلاً في اللغتين الإنكليزية والفرنسية للمتصل Continu, continuous وللمنفصل discontinu, discontinuous وثمة لفظ ثالث فيهما وهو discret بمعنى المنفصل ولكنه يطلق على بعض الحوادث المفردة.‏


 

ولما لخصنا في فصل واسع من كتابنا "الفيزياء الحديثة والفلسفة" كتاب بشلار الذي سلف أن نوهنا به قبلاً عرضنا جوانب من المذاهب الفكرية التي شاعت في الغرب والتي تقول بالجزء الذي يتجزأ كالمذهب الإيجابي والمذهب الانتقادي والمذهب الأكسيومي أو مذهب المصادرات. فلا محل هنا للتطويل وتلخيص التلخيص وإنما الذي يهمنا في هذا البحث هو جلاء هذا الموضوع في التراث العربي والتعقيب عليه ببيان حال العلم الحديث انفصال المادة واتصالها.‏


 

نظرية الجزء الذي لا يتجزأ في العصر الحاضر‏


 

لقد كان الاتصال صفة من صفات الفيزياء الاتباعية التي سادت في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ومازالت سائدة في المقياس الاعتيادي الإنساني بالنظر إلى الحواس والآلات التي تكمل الحواس. فالمكان فيها مطلق أوقليدي متصل والزمان مستقل عن المكان وهو متصل اتصالاً حقيقياً ويجري جرياً منتظماً متجانساً إلى غير ذلك من صفات الفيزياء الاتباعية كالحتمية والموضوعية والواقعية والإيجابية وأمثالها. ونريد هنا أن نعرض قضيتي الاتصال والانفصال كيف برزتا كلتاهما للعلماء الغربيين الحديثين.‏


 

فقد اضطر العلماء منذ أوائل القرن التاسع عشر شيئاً فشيئاً إلى التخلي عن فكرة الاتصال في مجالات تجاربهم وتأملاتهم. غدوا يتصورون المادة تتألف من ذرات ولكن تصورهم كان مبهماً اضطروا إليه اضطراراً، بدت الأجسام لهم صنفين: أجساماً مركبة يمكن تحليلها وتجزئتها إلى أجسام أبسط منها وأجساماً بسيطة هي العناصر التي تقاوم التحليل وتقف دون التجزئة. ثم إن دراسة القوانين الكمية لاتحاد هذه العناصر البسيطة بعضها ببعض كقانون النسب المحدودة (بروست) (7) وقانون النسب المضاعفة (دالتون) (8) أفضت بالكيماويين إلى اعتبار الجسم المركب مؤلفاً من جزئيات، وكل جزيء من جزيئات الجسم المركب أياً كان يتألف من أعداد تقابل أجزاءاً معينة من كل منهما، فهو يشف عن بنية منفصلة لتلك العناصر البسيطة.‏


 

ولما أتى العالم الإيطالي أفوغادرو اعتبر أن الجزيء الغرامي لجسم من الأجسام وهو الذي يشغل في الحالة الغازية حسب أحد قانوني غيلوساك (9) 22.4 لتراً في شرطي الحرارة والضغط النظاميين (درجة الصفر وضغط 76سم زئبقياً) يتألف من عدد ثابت من الجزئيات الحقيقية أياً كان نوع ذلك الجسم.‏


 

أما عدد الجزئيات الحقيقية فلم يكن يأتي حسابه على بال أفوغادرو ولا على بال غيره من العلماء. كان العلماء يتكلمون على وجود الذرات الحقيقية كما يتكلمون على أمور الغيب لأنه كان يتعذر عليهم ملاحظتها أو الاطلاع عليها فكانوا يجدون حرجاً في الكلام على أوزانها الحقيقية فيستبدلون بها الأوزان الغرامية مضخمة مكبرة بل كانوا يستبدلون بالأوزان الغرامية ألفاظاً تتحامى الإشارة إلى الذرات كالقيم الاتحادية المقرونة بالعناصر تمشياً مع المذهب الإيجابي الذي لا يجيز التحدث عن شيء ما لم تؤيده التجربة ويكشف عن حقيقته البحث.‏


 

ولكن العلم تقدم واستطاع العلماء بعد حين حساب عدد الجزيئات الحقيقية في الجزيء الغرامي فوجدوه يساوي 6.022×23 وأصبح يدعى ذلك العدد عدد أفوغادرو. أن أخف الأجسام البسيطة الهيدروجين. جزيء الهيدروجين مؤلف من ذرتين منه وإذا اعتبرت كتلة ذرة الهيدروجين الغرامية (1) فإن كتلة جزيء الهيدروجين 2/6×10 23 تقريباً وكتلة الذرة منه تساوي 1/6×10 23 = 1.66×10 –24. (غرام).‏


 

ويطلعنا جدول مندلييف أو جدول التصنيف الدوري على أوزان ذرات العناصر البسيطة الغرامية أو قيمها الاتحادية تتعاقب وفق ازدياد القيم أو الأوزان. ويمكن حينئذ حساب كتل ذراتها الحقيقية.‏


 

وظن العلماء أنهم بلغوا نهاية المادة حين وصلوا إلى اعتبار ذرات الأجسام الحقيقية وحساب كتلها. فأطلقوا على تلك الذرات المختلفة في النوع والكتلة باختلاف العناصر اللفظ اليوناني وهو آتوم بمعنى الجزء الذي لا يتجزأ.‏


 

غير أن الانفصال تجاوز المادة إلى الكهرباء فأدت بحوثهم في الكهرباء إلى اعتبارها ذات بنية حبيبية أي منفصلة وإلى اعتبار الكهرب (الكترون) حبة الكهرباء. ثم أفضى بهم البحث إلى اعتبار ذرات الأجسام تلك التي ظنوها لا تتجزأ ولا تنقسم مؤلفة من كهارب يختلف عددها باختلاف العناصر تدور حول نواة لها في كل ذرة. وهنا ينبغي أن نفرق بين لفظ آتوم الدال على الذرة ولفظ الجزء الذي لا يتجزأ الدال على نهاية تقسيم المادة وهو غير الذرة لأن الذرة غدت تنشطر إلى الجسيمات المتناهية في الصغر وهي التي تتألف منها حسب كل عنصر. وهنا لابد من الاستطراد وبيان أرجحية اللغة العربية في هذا الميدان تقول بوجود الآتوم أي بانقسام المادة انقساماً متناهياً أو نظرية الجزء الذي لا يتجزأ مع أن لفظ الآتوم يطلق من التعبير العلمي. فإن لفظ أتوميسم atomism يعني النظرية التي على الذرة التي غدت تتجزأ. فاللغة العربية تفرق بين الجزء الذي لا يتجزأ وهو الجسيم من الجسيمات الدقيقة النهائية في المادة كالكهارب مثلاً وبين الذرة التي تقابل الآتوم وهو الذي معناه أنه لا يتجزأ ولكنه أصبح قابلاً للتجزئة.‏


 

إن العلماء لمّا كشفوا الكهرب وجدوا أن كتلة أصغر من كتلة الهيدروجين بمقدار 1840 فهي تساوي 1.66×10 –24/1840= 0.9×10 –27 من الغرام.‏


 

وهنالك أجزاء أخرى دقيقة في الذرة متنوعة تتألف منها نوى الذرات كالأوّيل (proton) والأويم (neutron) على حد تعبيرنا وغيرهما مما يعرفه المتخصصون بالفيزياء الحديثة ومما يطول بنا البحث لو عمدنا إلى عرضها وبيان خصائصها. وقد فصلناها في كتابنا "تقدم العلم".‏


 

ولكن الانفصال تجاوز المادة والكهرباء إلى الطاقة لما درس العالم الألماني بلنك سنة 1900 تبادل الجسم الأسود والإشعاع للطاقة فوجد أن التبادل يحصل بانفصال على أشكال حبات من الطاقة دعا حبة الطاقة بالكم والكوانتوم ومقدارها طا= ه×د. (طا مقدار الطاقة، د، تردد الإشعاع د= سر/ط‏


 

ط طول الموجة، سر سرعة الإشعاع، ه كوانتوم العمل يساوي 605×10 –27 أرغة/ ثانية) ولما كان الإشعاع يتفاوت تردده كان ثمة حبات مختلفة بالمقادير من الطاقة.‏


 

ثم تجاوز الانفصال الطاقة والكهرباء والمادة فدخل بنية الضوء لما كشف العلماء الظاهرة الكهرضوئية التي يحصل فيها تيار كهربائي بتأثير الضوء في صفيحة معدنية والتي لم يمكن تفسيرها إلا باعتبار الضوء ذا بنية منفصلة أيضاً. وحبة الضوء هي الكوانتوم نفسه الذي أشار إليه بلنك وقد دعيت حبة النور هذه "فوتوناً photon وترجمناها نحن بالسنية (تصغير السنا وإلحاق تاء التأنيث به). وكذلك ببنية الضوء المنفصلة استطاع العلماء تفسير ظاهرة كمبتون سنة 1923 وهي تبادل الكهرب وحبة النور قسطاً من الطاقة كما تصطدم كرة البليار بكرة أخرى، وتفسير ظاهرة رامان سنة 1928 وهو تبادل وسط شفاف (سائل صاف أو غاز أو بلورات) والضوء نصيباً من الطاقة أيضاً.‏


 

هذا الانفصال في الضوء والطاقة والكهرباء والمادة شتت شمل نظام الفيزياء في أوائل القرن العشرين إذ كان ثمة ظواهر لا تفسير إلا بطبيعية الضوء الموجية الحبيبية المنفصلة إلى غير ذلك من الظواهر التي استرعت أنظار العلماء واجتذبت اهتمامهم. حتى جاء الفيزيائي الفرنسي لويس دوبْرُويُ (10) فأنشأ عام 1923 نظرية الميكانيك الموجية وهي تقرن بالكهرب طول موجة ط= ه/كحك (ه كوانتوم العمل الذي سلف ذكره، كحك كمية حركة الكهرب أي جداء كتلته في سرعته) وعقبه العالم الألماني هيزنبرغ فأنشأ الميكانيك الكوانتية الجديدة واعتبر كلا العالمين لكلٍّ من المادة والضوء جانبين أحدهما موجي متصل والآخر حبيبي منفصل.‏


 

نحن إذاً في العلم الحديث مضطرون إلى اعتبار الانفصال والاتصال في تعرّف بنية المادة وتعرّف بنية الضوء، إلى اعتبار الجانب الجسيمي المنفصل والجانب الموجي المتصل في تركيب كليهما. وهما جانبان متقابلان لا يظهران معاً للباحث إذا برز له جانب توارى الجانب الآخر. وإذا كنا نُعجب بأمر فإعجابنا يذهب إلى حدس العلماء الطبيعيين العرب القدماء حين وجدوا في تأملاتهم وبحوثهم صعوبات في الاقتصار على الاتصال دون الانفصال في طبائع الأجسام أو على الانفصال دون الاتصال فيها ونوهوا بتلك الصعوبات والعقبات الفكرية.‏


 

إن الماديين الجدليين يعتبرون ذلك التقابل بين الجانبين المتصل والمنفصل أو الموجي والجسيمي صورة لتقابل حدين من حدود الجدل المخامر للطبيعة كلها.‏


 

وإن فلاسفة العلوم الحديثين الغربيين يدعون ذلك التقابل بالتتامية Complementarity, Complémetarité وهي ليست مقصورة على هذين الجانبين في كل من المادة والضوء بل هي تدخل في كثير من طرق البحث والتنقيب في المعرفة العلمية الحديثة كدخول الذاتية إلى جانب الموضوعية وحوار الأشكال القبلية a priori والأشكال البعدية a posteriori وحوار العياني والمجرد والنظر والتجربة والخاص والعام.‏


 

قد يبدو لفظ التتامية غامضاً في مجال الفيزياء وهو الذي استعمله العالم الدانمراكي نيلز بور. ولكنه يتضح بمثال نأخذه من ميدان الحياة. لو أردنا أن ندرس كائناً حياً كالأرنب فأما أن نحاول تشريحه فنتعرف تركيب جسمه ومحتواه وعندئذ نقضي عليه، ونغفل عن نهج نموه وتغذيه وتناسله، وإما أن نتابع نشوءه وتناسله وتغذيه ونموه ونطلع على تطوره في خلال الزمان وعندئذ نضرب صفحاً عن تركيب جسمه وتشريحه. وهكذا لا تستيسر دراسة أحد المظهرين الحيويين السكوني والتطوري إلا على حساب المظهر الآخر ولا يتهيأ الإيغال في فهمهما إلا تباعاً أي أحدهما تلو الآخر وعلى حسابه. فهذه تتامية جلية في مجال لحياة تشبه التتامية بين المتصل والمنفصل بين الجسيم والموج والتجزؤ واللا تجزؤ.‏


 

والخلاصة أن المعرفة العلمية مع أنها تاريخية وجدلية فلا شك في أن المعرفة العلمية الحديثة وليدة المعارف السابقة ووريثتها. وأن بعض الاعتبارات الفكرية الجديدة مرتبطة مع تطورها بسياق الاعتبارات الفكرية التالدة. وعلى الرغم من صيرورة المعرفة وتغيرها الدائم فلابد من أن تحتفظ بجملة واسعة من مكاسبها السابقة وإن كان تطور العلوم يحمل على إعادة النظر وتنقية الأفكار والمفاهيم والعمل على تنسيقها وتنظيمها والإتيان بالجديد الذي لا يلبث أن يستدعي جديداً آخر. ثم أن المعنى الكلي أو المفهوم لا يخلق تام الصنع من لا شيء بل هو يخرج من الماضي ولكنه لا يلبث أن يتبدل بالاستعمال والتطبيق. إن الجزء الذي لا يتجزأ أو الجوهر الفرد قد تغيرت دلالته واختلفت الاعتبارات فيه في غضون الزمان حتى تناقضت أحياناً. وتنقية المفاهيم والأفكار مقترنة بالتقدم العلمي الحثيث وهي من أخص صفات المعرفة العلمية وسمات الجدل العلمي الحديث.‏


 

الحواشي:‏


 

1- طبع الهند، ص8- 9 قوله ويحكي قريباً منه عن أفلاطون نائب الفاعل عن أفلاطون وقريباً نائب المفعول المطلق.‏


 

2- ج 2، ص20- 21.‏


 

3- ص21- 22.‏


 

4- ص 23- 24.‏


 

5- الكشكول، تحقيق أحمد الزاوي، ج2، ص60.‏


 

6- المرجع نفسه ج2، ص145- 146، وفي الكتاب برهان آخر على امتناع اللاتناهي يسهل الرجوع إليه في ج2، ص51، ويذكر المؤلف برهاناً ينسبه للسيد السمرقندي على امتناعه ج2، ص197- 198. هذا وقد أصدر معهد التراث العلمي العربي بجامعة حلب كتاباً جيداً هو "رياضيات بهاء الدين العاملي" بقلم الدكتور جلال شوقي يشمل قسمه الثاني مسائل الحساب والجبر والمساحة الواردة في كتاب الكشكول ولم يعرض المؤلف هذه البراهين الأربعة التي هي من الرياضيات أيضاً.‏


 

7- قانون بروست أو قانون النسب المحدودة هو أن العناصر البسيطة يتحد بعضها ببعض لتكوين جسم مركب بنسب كتلية محدودة ثابتة، فالهيدروجين مثلاً يتحد بالأكسجين لتكوين الماء بنسبة كتلية ثابتة هي 1 إلى 8.‏


 

8- قانون دالتون أو قانون النسب المضاعفة إذا اتحد جسمان بسيطان أحدهما بالآخر فكوّنا أجساماً مركبة متعددة وقايسنا بين كمية معينة واحدة من أحد ذنيك الجسمين وكميات الجسم الآخر الداخلة معها في التركيب كانت هذه الكميات أضعافاً مضاعفة بسيطة لإحداها.‏


 

9- قانون غيلوساك:‏


 

1- بين حجوم الغازات المتحد بعضها ببعض لتكوين جسم معلوم نسبة بسيطة.‏


 

2- إذا اتحد عنصران غازيان وكوّنا جسماً غازياً فإن بين حجم الغاز المتكون وحجمي العنصرين الغازيين اللذين كوّناه نسبة بسيطة.‏


 

10- كتبنا اسم الأسرة كما يلفظ بالتأكيد لمعرفتنا السابقة بالعالم نفسه، ولا عبرة لبعض المعجمات الإنكليزية والأمريكية والفرنسية التي تشير إلى أن اللفظ هو دوبرولي (باللام) انظر أيضاً لاروس القرن العشرين.‏


 

بعض المراجع:‏


 

1- أبو بكر محمد بن زكريا الرازي.‏


 

- رسائل فلسفية.‏


 

2- أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ.‏


 

- الحيوان.‏


 

3- القاضي أبو بكر محمد الباقلاني.‏


 

- التمهيد في الرد على الملحدة المعطلة والرافضة والخوارج والمعتزلة.‏


 

4- أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني.‏


 

- تحقيق ما للهند من مقولة.‏


 

5- أبو علي الحسين بن عبد الله بن علي بن سينا.‏


 

- الشفاء.‏


 

- النجاة.‏


 

- الإشارات والتنبيهات.‏


 

- أجوبة الشيخ الرئيس عن مسائل أبي الريحان البيروني.‏


 

6- أبو عبد الله محمد بن أحمد بن يوسف الخوارزمي.‏


 

- مفاتيح العلوم.‏


 

7- أبو البركات هبة الله البغدادي.‏


 

- المعتز في الحكمة.‏


 

8- فخر الدين محمد بن عمر الرازي.‏


 

- المباحث الشرقية في علم الإلهيات والطبيعيات.‏


 

9- بهاء الدين العاملي.‏


 

- الكشكول.‏


 

10- عبد السلام بن إبراهيم اللقاني المالكي.‏


 

- إتحاف المريد بجوهرة التوحيد.‏


 

11- محمد محيي الدين عبد الحميد.‏


 

- النظام الفريد بتحقيق جوهرة التوحيد.‏


 

12- عبد النبي بن عبد الرسول الأحمد نكري.‏


 

- جامع العلوم الملقب بدستور العلماء.‏


 

13- محمد علي التهانوي.‏


 

- كشاف اصطلاحات الفنون.‏


 

14- س. بينيس.‏


 

- مذهب الذرة عند المسلمين ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة.‏


 

15- ارفين شرودنغر.‏


 

- العلم والثقافة الإنسانية (الفيزياء في زماننا) ترجمة عبد الكريم اليافي.‏


 

16- عبد الكريم اليافي.‏


 

- الفيزياء الحديثة والفلسفة.‏


 

- تقدم العلم.‏


 

17- E. Bréher


 

- Histoire de la philosophie.‏


 

G. bach elard


 

18- - Les intuitions atomistiques.‏


 

- Essai sur la cnnassiance approchée.‏


 

- La philosphie du non.‏


 

- Le nouvel esprit scientifique.‏


 

19- - L. de Broglie:‏


 

- Continu et discontinu en physique moderne.‏


 

- Physique et microphsique.‏


 

- Matiére et Lumiére.‏


 

20- - A.Ducuocq:‏


 

- L,atome univers fantastique.‏


 

21- - p.Rousseau:‏


 

- L,histoire de l,atome.‏


 

22- - Encyclopaedia Universalis.‏


 

23- - Encyclopaedia of Religion and Ethies.‏


 

 (atomic theory).‏


 

1 أغلب المترجمين للبيروني يذكرون وفاته سنة 440ه ولكننا نرى تاريخها ما أثبتناه. انظر كتابنا "معالم فكرية".‏


 

2 ينبغي تسكين الثاء في حادث لضرورة الشعر كما ينبغي قطع همزة الوصل في الفرد وهذا شعر تعليمي يصاغ للحفظ.‏

 

 

 

                                                                                                                   اتصل بنا

 

 

 

 

  تصميم

علي هادي علي